من الحاجة إلى التمكين.. كيف تحولت "وحدة الأيدي الطيبة" إلى نموذج ريادي في تصنيع الألبان

البداية.. شغف تُحاصره الأزمات

في إحدى مناطق النزوح بمواصي خان يونس التي تسعى فيها النساء لصناعة الأمل من قلب المعاناة، بدأت السيدة ياسمين أبو سعيد مشوارها في مشروعها النسوي "وحدة الأيدي الطيبة" لإنتاج الألبان ومستلزماتها. كانت ياسمين تطمح لنقل خبراتها وشغفها في التصنيع الغذائي إلى مشروع يُعيل أسرتها ويخدم مجتمعها، فبدأت بإنتاج أصناف محدودة مثل الأجبان البلدية بأنواعها، ولبن المش، واللبنة التقليدية.

لكنّ طريق الريادة لم يكن مفروشاً بالورد؛ إذ اصطدم المشروع بجدار عالي من العوائق التشغيلية. كان الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي يشكل كابوساً يومياً يهدد بتلف المنتجات ويفقدها جودتها في ظل غياب الطاقة البديلة. كما أن نقص المعدات الحديثة والآلات المخصصة للتصنيع جعل القدرة الإنتاجية محصورة في نطاق ضيق جداً، مما منع ياسمين من الوصول إلى نقاط بيع جديدة أو التوسع في السوق المحلي.

نقطة التحول.. طاقة جديدة وتجهيزات متكاملة

لم تتوقف ياسمين عند حدود الخسائر والتحديات، بل ظلت تبحث عن شريان حياة يبعث الروح في مشروعها. وجاءت الفرج مع انطلاق "مشروع نداء الإغاثة الإنساني للشرق الأوسط - المرحلة الثانية"، المنفذ من قِبل جمعية الإغاثة الزراعية وبتمويل من مؤسسة أكشن أيد (ActionAid).

من خلال هذا المشروع، حصلت "وحدة الأيدي الطيبة" على منحة إنتاجية متكاملة بقيمة 8,000 دولار أمريكي. كانت هذه المنحة بمثابة حجر الزاوية للتغيير، حيث تم تركيب نظام طاقة شمسية متكامل أنهى معاناتها مع انقطاع الكهرباء وضمن تشغيل الثلاجات ومعدات حفظ الألبان على مدار الساعة دون انقطاع. إضافة إلى ذلك، تم توفير المواد الخام والمعدات اللازمة لبدء مرحلة جديدة من الإنتاج.

ثمار النجاح.. التوسع وزيادة الأرباح

مع توفر الطاقة والمعدات والمواد الخام، أحدثت ياسمين قفزة نوعية في خطوط الإنتاج. لم تعد "وحدة الأيدي الطيبة" تقتصر على المنتجات التقليدية فحسب، بل أدخلت أصنافاً جديدة عالية الطلب مثل اللبن الرايب ولبنة الكرات المغمورة بزيت الزيتون.

هذا التنوع أدى إلى تقليل تكاليف التوزيع، حيث أصبحت الشحنة الواحدة تتضمن تشكيلة متنوعة من المنتجات لتغطية احتياجات المحلات ونقاط البيع الجديدة. ونتيجة لذلك، ارتفعت المبيعات والإيرادات، وتحققت أرباح ساعدت في استقرار المشروع ونموه وتحوله إلى مصنع ألبان مصغر ومستدام.

الأثر المجتمعي.. بذور التغيير والحد من الفقر والعنف الأسري

تجاوزت قصة نجاح ياسمين نطاق مشروعها الخاص لتلقي بظلالها الإيجابية على المجتمع المحيط بكامله:

 * توفير فرص عمل للمعيلات: فتحت الوحدة أبوابها لاستيعاب سيدات معيلات لأسرهم، مما وفر لهن مصدر دخل كريم يعينهن على أعباء الحياة.

 * علاج جذور المشاكل المجتمعية: أسهم التمكين الاقتصادي للمعيلات والشباب في الحد من معدلات الفقر، وهو ما انعكس إيجاباً على تقليل الضغوط الاقتصادية والنفسية داخل الأسر، وبالتالي الحد من العنف الأسري الذي ينشأ غالباً بسبب العوز والبطالة.

 * استقطاب الخبرات الشابة: لم يقتصر التشغيل على العمالة العادية، بل استقطب المشروع خريجين جامعيين في تخصصات نوعية، من بينهم محاسب للمشروع ومهندس صناعات غذائية للإشراف على الجودة ومعايير السلامة.

رسالة أمل

تثبت تجربة السيدة ياسمين أبو سعيد ومشروعها "وحدة الأيدي الطيبة" أن الشراكات التنموية المثمرة بين المؤسسات الإغاثية مثل الإغاثة الزراعية وأكشن أيد قادرة على صناعة الفارق. فقد تحولت قطرات اللبن البسيطة بفضل الإرادة والدعم إلى مشروع تنموي متكامل يغذي السوق، ويصون كرامة الأسر، ويصنع غداً أفضل لمجتمع بأكمله